ابن حجة الحموي

170

خزانة الأدب وغاية الأرب

ومن عطاياه روض وشعه يد * تغني عن الأجودين البحر والديم الشيخ عز الدين أتى بالتوشيع على الوضع ولكنه شن الغارة على ابن الرومي وفك قواعد بيته وهو أبو سليمان إن جادت لنا يده * لم يحمد الأجودان البحر والمطر أخذ الأجودين والبحر ورادف المطر بالديم وهذا ما يليق بأهل الأدب وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ووسع العدل منه الأرض فاتشحت * بحلة الأمجدين العهد والذمم وأنا على مذهب زكي الدين بن أبي الأصبع في قوله وما بشعر قلته هنا من بأس انتهى ذكر التكميل آدابه تممت لا نقص يدخلها * والوجه تكميله في غاية العظم التكميل هو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى تام من مدح أو ذم أو وصف أو غيره من الأغراض الشعرية وفنونها ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غير كامل فيأتي بمعنى آخر يزيده تكميلا كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم غير كامل فيكمله بذكر الكرم أو بالبأس دون الحلم وما أشبه ذلك من الأغراض وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين فانظر إلى هذه البلاغة فإنه سبحانه وتعالى علم وهو أعلم أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة للمؤمنين لكان مدحا تاما مشتملا على الرياضة والانقياد لإخوانهم ولكن زاده تكميلا ووصفهم بعد ذلتهم لإخوانهم المؤمنين بالعزة على الكافرين وهذا هو التكميل الذي يتطفل البدر على كماله ومثاله في الشعر قول كعب بن سعيد الغنوي حليم إذا ما الحلم زين أهله * مع الحلم في عين العدو مهيب قوله إذا ما الحلم زين أهله احتراس لولاه لكان المعنى في المدح مدخولا إذ بعض التغاضي قد يكون عن عجز يوهم أنه حلم فإن التجاوز لا يكون حلما محققا إلا عن قدرة وهو الذي قصده الشاعر بقوله إذا ما الحلم زين أهله فإن الحلم ما يزين أهله إلا إذا كان عن قدرة وهذا القدر غاية في باب التكميل ثم رأى أن مدحه بالحلم وحده غير كامل فإنه إذا لم يعرف منه إلا الحلم طمع فيه عدوه فقال مع الحلم في عين العدو مهيب قلت ومما يؤيد هذا التقرير قول الشاعر وحلم ذي العجز أنت عارفه * والحلم عن قدرة ضرب من الكرم ومن التكميل الحسن قول كثير عزة لو أن عزة خاصمت شمس الضحى * في الحسن عند موفق لقضى لها فقوله عند موفق تكميل حسن فإنه لو قال عند محكم لتم المعنى لكن في قوله عند موفق زيادة تكميل بها حسن البيت والسامع يجد لهذه اللفظة من الموقع الحلو في النفس ما ليس للأولى إذ ليس كل محكم موفقا فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله وقد غلط غالب المؤلفين في هذا الباب وخلطوا التكميل بالتتميم وساقوا في باب التتميم شواهد التكميل فمن ذلك قول عوف السعدي إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان هذا البيت ساقوه من شواهد التتميم وهو أبلغ شواهد التكميل فإن معنى البيت تام بدون لفظة وبلغتها وإذا لم يكن المعنى ناقصا فكيف يسمى هذا تتميما وإنما هو تكميل حسن قال ابن أبي الأصبع وما غلطهم إلا أنهم لم يفرقوا بين تتميم الألفاظ وتتميم المعاني فلو سمي مثل هذا تتميما للوزن لكان قريبا ولما ساقوه على أنه من تتميم المعاني وهذا غلط والفرق بين التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التمام